يسعدنا أن نخصص هذه المساحة لسرد عليها وقائع مهمة جدا عن النادي الاهلي ، والتي تتمثل في رحلة قام أبطالها ورفاقهم في صناعة ونشأة تاريخ النادي العريق ، رحلة أطلق عليها صاحبنا رحلتي مع الكرة ولكن هي رحلة تجاوزت هذا المجال وتجاوزت كرة القدم ،  رحلة مشوار طويل تجسد فيها الحب والوفاء والتضحية والصبر وكل معاني المثايرة والكفاح ونتج عنها أجيال وأجيال لديها حب عميق للنادي الأهلي  ، مع درايتنا بأنه لن تتسع هذه المساحة او أي مكان لتلخيص تاريخ الأهلي العريق .

عبدالعالي العقيلي أحد مؤسسي النادي الاهلي أو أبرزهم على الإطلاق هذا الإنسان والرجل  المناضل والمربي الفاضل والوطني الشريف  ، والمرحوم مصطفى المكي رحمه الله اللاعب الذي أتى بالبريق لنادي الاهلي ، اللاعب الأول من الجيل الأول ، إبناء النادي الاهلي ، لم نجد أفضل منهم لكي نضع كلماتهم تتحدث عن رحلة المشوار الطويل ، رحلة عظيمة بكل معاني الكلمة .

بكل سرور قمنا بإعادة كتابة اللقاء الذي أجري للإساتذة عبدالعالي العقيلي و المرحوم مصطفى المكي ، على جريدة الاهلي على الاعداد من العدد 36 إلى العدد 43 في الفترة من 19/1/1993م إلى 26/7/1993م ، نقلناه كما هو طبق الاطل وبالصور ، ونتقدم بفائق الإحترام والتقدير للاخوة الذين قاموا بإعداد جريدة الاهلي في الفترة الماضية لما لها من قيمة عالية جدا ، ونشكرهم على إجرائهم لهذه اللقاءآت .

ونتوجه لكل من يعشق الاهلي بأخذ فكرة وافية عن هذه السيرة التي تلخص نشأة نادي الاهلي بالتفصيل لكي يكونوا على دراية موثوقة غير قابلة للجدال ، ومرجع لأي مشكك أو مزور بتاريخ نادي الأهلي ، وأود ان أقول بأن بهذا الموضوع دروس غاية في الأهمية يفتقر لها أغلب ممثلي الوسط الرياضي بليبيا والغير ملمين بتاريخ ونشأة نادي الأهلي وكرة القدم في ليبيا .

عبدالعالي العقيلي يقول :

عرفت كرة القدم في فترة مبكرة منذ شبابي وكنت ألتقي مع ابناء جيلي في تلك الفترة عقب الحرب العالمية الثانية في الساحات الشعبية والأزقة ونلعب المباريات بعفوية تامة حيث كونا في الشارع مع زملائي على مسعود وأحمد فنة وعلي الجهاني وغيرهم فريقا أسميناه فريق النجمة وهو ليس فريق النجمة المعروف الذي كان أنذاك ، لقد أسسنا ذلك الفريق شبه المنظم وأنطلقنا ننافس بقية فرق الشوارع الاخرى التي هي في مثل سننا وظروفنا وكانت المباريات لا تخرج عن حيز المنطقة الواحدة ولم تكن هناك مباريات رسمية منظمة ، ثم نتيجة لظروف الحياة المادية الصعبة إنتقلت أسرتي إلى مسكن بمنطقة دكاكين حميد حيث بيوت الصفيح والعوز والفقر وتشاء الصدفة أن يكون بالقرب من سكني الجديد ساحة رياضية تقام بها مباريات الكبار ولذا كنت اتابع المباريات بإستمرار وأشارك في اللعب مع بقية الصبية الصغار عقب نهاية تلك المباريات وفي أحدى المباريات المهمة لفريق بن عمران الذي كان يمثل منطقة سكني الجديد واجهت الحارس الاساسي  للفريق المرحوم أحمد طناني ظروف لم يستطع معها الحظور للعب مع الفريق وذلك لكونه يعمل بمطحن للحبوب ورب العمل لم يسمح له بالذهاب للعب مع الفريق نتيجة لكثرة العمل بالمطحن في تلك الفترة بما وضع الفريق في موقف حرج ولهذا طلبوا مني اللعب حارسا لمرمى الفريق وكانت المباراة في اليوم التالي ففرحت بالعرض رغم صغر سني لأنني سوف ألعب مع فريق الكبار وفي مباراة شبه رسمية وبملعب البركة الذي كانت مبارياته مخصصة لمنتخب بنغازي في كل أسبوع حيث كان يلتقي بفرق الأنجليز والأسرى الألمان وكان يضم صفوة ومشاهير الكرة في تلك الحقبة وفعلا شاركت في تلك المباراة شبه الرسمية بحذاء عادي لأنني لم أكن أملك حذاء للعب ووفقت إلى حد كبير في تلك المباراة وفاز فيها فريقنا وتشاء الصدفة أن يحضر المباراة المرحوم عبدالله الشريف مدرس التربية البدنية بمدرسة الأمير والذي كان يشرف على فريق المدرسة الذي يظم العديد من اللاعبين الجيدين وكان فريق المدرسة يمثل الصف الثاني الجيد في الكرة مع فريق مدرسة البركة الذي يشرف عليه المرحوم علي بو شناك والذي كان يضم أيضا العديد من اللاعبين الجيدين وكانت مباريات المدرستين أشبه بمباريات الدوري نظرا لما لها من مستوى جيد وما يحظيان به من متابعة جماهيرية كبيرة لا يفوقهما من حيث المتابعة والشهرة إلا منتخب بنغازي المعروف .

عموما عرض علي المرحوم عبدالله الشريف التسجيل بالمدرسة والإنضمام إلى فريقها ورغم أن الفكرة بمثابة الأمنية بالنسبة لي لكني رفضتها في البداية نتيجة لظروفي الإجتماعية الصعبة حيث أن ظروف أسرتي تحتم علي العمل أولا للمساهمة في إعالتها وتوفير الحد الأدنى من إحتياجاتها وأمام هذا الموقف الصعب تدخل المربي الفاضل الأستاذ مصطفى بن عامر الذي كان يشغل وظيفة مفتش التعليم ورئيس جمعية عمر المختار الوطنية حيث عرض علي العمل في الفترة المسائية بمقر الجمعية في التنظيف والتنظيم ، وفي مطبعة المحيشي التي تتبع الجمعية وبفضل موقفه التربوي معي إستطعت أن ألتحق بالمدرسة للتحصيل العلمي وأن ألعب مع فريق المدرسة الجيد وأن أعمل لأساهم في إعانة أسرتي وكان فريق المدرسة يضم الزروق بن عمران وسعيد نجم والمرحوم الأمين دربي ومفتاح الاصفر والحداد وغيرهم من اللاعبين الجيدين وكانت المدرسة تنظم لنا الرحلات واللقاءآت الرياضية حتى خارج مدينة بنغازي حيث سافرنا إلى مدينة المرج ولعبنا مع فريق مدرسة المرج وأذكر منهم حارس المرمى الحاج عمر الغرياني كما نظمو لنا رحلة رياضية إلى مدينة درنة للعب مع فريق المدرسة هناك ووصلنا إلى مدينة درنة بعد رحلة صعبة إستمرت ثلاث أيام في الطريق لأن وسائل المواصلات كانت في غاية الصعوبة ، وأستقبلنا بحفاوة بالغة في مدينة درنة وعند موعد إقامة المباراة إختلف المسئولون حول حكم المباراة ولذا قرروا إقامتها بين مختلط من لاعبي المدرستين وعندما علم المفتش الإنجليزي بذلك حضر إلى الملعب وبحظور الجميع وبلكنة عربية ركيكة قال : احد عشر لاعبا من بنغازي في نصف الملعب هذا ، واحد عشر لاعبا من درنة في النصف الآخر ، وأقيمت  المباراة بهذا الشكل لأن احدا لايستطيع أن يعترض على قرار مفتش التعليم لكن المباراة للأسف لم تنتهي ، فريقنا كان فائزا بهدف سجله المرحوم لامين دربي وسجلو هم هدف التعادل وكنا نرى أنه سجل باليد ولهذا لم تكتمل المباراة لكن مسئولي التعليم جمعونا في المساء بالمدرسة التي نقيم بها نظرا لعدم وجود فنادق في تلك الفترة وشرحوا لنا الغرض من اللقاءآت وأقاموا لنا حفلات التعارف والولائم وألقيت القصائد الشعرية وحظر الشاعر الكبير إبراهيم الأسطى عمر الذي كان يرأس فرع جمعية عمر المختار بدرنة وامضينا عدة أيام في ضيافة إخواننا هناك وأذكر منهم المرحوم أحمد غنيم مدرس التربية البدنية وفرج الباح ومفتاح الباح ومحمد الرقيق )فيلاردي( من لاعبي المدرسة .

عموما إستمرت في تحصيلي العلمي وفي الملعب مع فريق المدرسة وفي العمل بمقر الجمعية التي كان يرتادها في تلك الفترة صفوة المجتمع من رموز الثقافة والأدب والشعر والحركة الوطنية ونظرا لنجاحي في الدراسة والرياضة والعمل شملتني رعايتهم التامة واتاحوا لي فرصة تطوير نفسي من خلال القراءة الخارجية بمكتبة الجمعية عند وجود وقت فراغ لدي ، واعترف صراحة أن تلك القراءآت والتوجهات التربوية كان لها أثر كبير في تكوين شخصيتي وثقافتي العامة فيما بعد .

ومن خلال حظوري اليومي بمقر الجمعية الذي كان بشارع عمر المختار حاليا أود أن اكد حقيقة تاريخية قد أختلف مع البعض فيها وهي أنه كان يوجد بالجمعية قسم خاص للكشافة له منتسبوه من الشباب ولديهم زيهم الخاص ولديهم فرقة موسيقية تعزف ألحانا في شوارع مدينة بنغازي في مختلف المناسبات وكان يشرف على هذا القسم الاخوة بشير المغيربي والصالحين ازواوه والشريف ونظرا لكون جمعية عمر المختار اساسها  جمعية وطنية تهدف إلى تحقيق أهداف سياسية وحدوية وتساهم في بناء الإنسان الوطني وتعادي الإستعمار وأعوانه وتهدف إلى تعميق الشعور الوطني وتربية الأجيال لذا تقرر تشكيل فريق رياضي لكرة القدم يمثل جمعية عمر المختار ويحمل إسم الكشاف الذي كان أصلا تابعا للجمعية ولذا طلبوا مني وبقية الزملاء بفريق المدرسة الإنظمام إلى هذا الفريق وبالفعل إنظممت للفريق في اول تأسيسه مع محمد إقعيم ومصطفى المكي وسالم البرغثي .

وأنظم زملاء آخرون من خارج المدرسة وتم تشكيل فريق في عام 1947-1948 وشارك في أول بطولة رسمية وخسر المباراة النهائية مع فريق النجمة بثلاث أهداف مقابل هدفين وكان يشرف عليه إداريا محمد حمي وفنيا سالم بالطيب ، بعد نهاية هذا الموسم كان فريق النجمة الذي تحصل على بطولة الدوري يريد لعب مباراة ودية بمدينة المرج وكانت هناك خلافات مع بعض لاعبين من بينهم حارس المرمى وبحكم علاقتي الطيبة بزملائي في الحي الذي يسكن فيه عياد التاجوري ومحمد الجهاني ورجب حمي وهم جميعا من فريق النجمة طلبوا مني المشاركة مع فريقهم في هذه المباراة الودية وبما أن اللعب مسموح به دون أية مشاكل فقد لبيت الدعوة وشاركت في تلك المباراة مع زميلي مفتاح الاصفر وأمبية اللذين كانا معي بفريق الكشاف ونتيجة للعبي بمدينة المرج مع فريق المدرسة وفريق النجمة حدثت مصادفة غريبة أخرى حيث كنت حاظرا بمنزل خالي المرحوم علي الخوجة بمدينة المرج في زيارة عائلية لا علاقة لها بكرة القدم فوجئت بخالي يدخل ويسألني مباشرا هل صحيح أنك تلعب الكرة وحين أجبته بالإيجاب قال لي يجب أن تلعب مع فريق المرج اليوم ضد فريق إنجليزي وذلك حسب رغبة ضيوفي المرحومين علي الطيرة والصالحين القماطي اللذان يوجدان الآن بالمربوعة وطلبا مني ذلك ووافقت ولعبت تلك المباراة .

في الموسم 48-49 عدت إلى فريقي الكشاف ونتيجة لإصابتي في عيني قررت جمعية عمر المختار إرسالي مع المرحوم علي دومة للعلاج بمدينة طرابلس وعقب عودتي وجدت لاعبا كبيرا من منتخب بنغازي جمع فريق الكشاف ولعب بهم مباراة ودية بمدينة المرج وثارت الشكوك لدى مسؤولي الفريق والسبب يعود إلى أنه كانت هناك ذكرى الأربعين لوفاة أحد أعضاء الجمعية البارزين المرحوم على بوقعيقيص وتقرر إقامة تأبين له بمقبرة سيدي عبيد فحضر الجميع إلى المقبرة وبعد نهاية التأبين إكتشف الحاضرين وجود جثة إنسان ميت حملت على عربة –كارو- منذ يومين ومغطأة بقطعة من )المشمع( ولم يتم دفنها فكانت الرائحة الكريهة تملاء المكان وأعتبرالحاضرون ان ذلك إمتهان لقيمة الإنسان وعدم إحترام الموتى ولهذا ثأر الجميع بهذا الموقف وخرجوا في مظاهرة من المقبرة وإتجهوا إلى منزل ناظر الصحة أنذاك وإلى منزل رئيس الوزراء يهتفون ضد النظام ثم تحولوا بالتحرك من الجمعية إلى مقر الحاكم العسكري الإنجليزي وهتفوا ضد وجوده وحدثت صدامات مع رجال البوليس وفي مساء نفس اليوم تم إعتقال أبرز رجالات الجمعية وبعض من اللاعبين وقدموا للمحاكمة وقضت المحكمة بسجن أعضاء من الجمعية في مقدمتهم رئيسها المرحوم مصطفى بن عامر وافرج عن اللاعبين وتم حل جمعية عمر المختار وفرعها الرياضي النادي الأهلي وامام هذا الموقف غير الوطني تجاه الجمعية قرر فريق الأهلي عدم المشاركة في الموسم الرياضي 51-52 / 52-53 كفربق لا يتبع الجمعية وتعاطف معه أيضا فريق الطليعة الدي يشرف عليه المرحوم على بوشناك ولم يشارك أيضا في الدوري وذلك لكون أغلب لاعبيه من أعضاء جمعية عمر المختار وحتى لايفقد الفريق احد جرى إعادة تشكيل الفريق من جديد ووضعت ضوابط للمباريات الودية والرسمية وإنظم إلينا أبرز لاعبي المنتخب وهم عبدالمتعال شتوان – فرج الغزالي )فريرة( ابراهيم الفزاني المرحوم محمد  اجعودة وذلك بعد قرار الجمعية ولجنتها الرياضية المكونة من المرحوم محمد البيجو وعبدالرحمن بركات بحل المنتخب وتوزيع لاعبيه على فرق الأندية كلا حسب رغبته .

 

ونظرا لوضوح أهداف جمعية عمر المختار ولدورها في توعية المواطنين بمشاكل بلادهم ولدعوتها الوحدوية ومقارعة الإستعمار وعملائه فقد إرتبطت الجماهير بجمعية عمر المختار وبالتالي إرتبطت بفريقها الكشاف وضلت تشجعه في مختلف مبارياته بأعداد كبيرة ونظرا لشمولية الهدف ولإتساع شعبية الجمعية التي كان لها أيضا فرع بمدينة درنة تقرر تسمية فريق الكرة بها والذي يحمل إسم الكشاف بإسم الأهلي لما لهذا الإسم من معنى يعبر عن الأهلية والشعبية وإقتداءا بالأهلي المصري الذي كان يملك الشعبية الجماهيرية لأنه ينافس نادي فاروق الذي يمثل الطبقة الأرستقراطية الموالية للقصر وكان ذلك في موسم 49/50 .

وبعد ذلك تكامل الفريق وأصبح يضم أبرز لاعبي الكرة في تلك الفترة وإنضموا جميعا في التدريبات تحت إشراف المدرب سالم بالطيب وبفضل جهود الجميع ورعاية الجمعية التامة للاعبي الفريق إستطاع فريق الأهلي الحصول على بطولة الدوري عامي 49-50 / 50-51 ثم حدثت إنتكاسة الفريق نتيجة للمشاكل السياسية التي حدثت وترتب عليها حل جمعية عمر المختار وفرعها الرياضي النادي الأهلي وحاولت الحكومة ملء الفراغ الناجم عن عدم مشاركة الأهلي والطليعة فقررت مشاركة المصالح الحكومية في الدوري لكن دون جدوى حيث أن أغلب الجماهير لم تتابع الدوري فجاءت مباريات باهتة وغير مشرفة ما أضطرهم إلى الإلتجاء للأهلي والطليعة للعودة والمشاركة في الدوري .

وأود أن أشكر مشجعين تابعا رحلة الفريق من بدايته الكشاف إلى الأهلي وهما الحاج محمد معتوق الذي كان يعمل أيضا بالجمعية وكان على درجة كبيرة من الوعي وله دور في تجميع اللاعبين وحثهم على مواصلة التدريب واللعب ويمثل قيم ومعاني الرياضة النبيلة وكذلك المرحوم بالنور ارويص الذي كان من ضمن الكشافين بالجمعية وإرتبط بالأهلي فترة طويلة وقدم للمؤسسة خدمات جليلة .

يتبــع

الصفحة التالية     الصفحة الرئيسية