المرحوم مصطفى المكي يقول :

البداية:

إرتباطي بلعبة كرة القدم كان منذ الصغر أسوة بزملائي ورفاق الشارع الذي يلتقي مع فرق الشوارع والضواحي الأخرى في العديد من المناسبات ، وإزداد حبي للكرة عندما عرفت قدماي الطريق إلى مرمى الخصم ، فمع كل هدف أسجله تتعمق في نفسي رغبة الإستمرار في ممارسة اللعبة والطموح بأن أصبح لاعبا شأن اللاعبين الذين كنا نسعد بمشاهدتهم ونحن صغار السن .

البداية الجادة :

ومنذ بلغت سن السادسة عشر من العمر حتى بدأ يتحقق الحلم الذي طالما  عشته لأصبح لاعبا في أحد الفرق المعروفة ، وتحقق ذلك عندما طلب مني أحد الأصدقاء الإنضمام إلى فريق الكشاف التابع لجمعية عمر المختار ووجدت نفسي لاعبا جنبا إلى جنب مع زملاء أذكر منهم عبدالعالي العقيلي ومحمد الحداد وسالم البرغثي ، وشاركا في منافسات دوري موسم 47-48 وحققنا نتائج طيبة وبدأ الجميع يعرفني بإسم (المكي) .

في الأهلي البداية الحقيقية :

بعد ان لعبنا موسمين كاملين بفريق الكشاف ، الذي اصبح يحمل إسم الاهلي فيما بعد ، وكانت البداية الحقيقية مع الكرة ولتبدأ مع الرحلة الموفقة مع فريق النادي الأهلي وأمجاده ، إن هذا الإرتباط المعنوي مع الأهلي حال بيني وبين الإنتقال إلى العديد من الفرق الاخرى التي حاولت بكل الوسائل ضمي إليها ، إلا انني رفضت كل ذلك لأنني إعتبرت النادي الأهلي هو المكان الطبيعي لي ولأنني أفخر بما حققته مع الاهلي في مشواره الطويل المليء بالإنجازات الرائعة على صعيد الرياضة .

أكثر من جيل عاصرته :

ومنذ أن إرتديت الغلالة الحمراء التي تميز بها الاهلي على صعيد الكرة الوطنية ، شاء القدر أن أعاصر أكثر من جيل لعبت عناصره بإسم الاهلي ، ولقد كان لكل جيل مزاياه وعطاؤه ، لقد عاصرت لاعبين مثل محمد جعودة ، وسالم البرغثي ، وعبدالعالي العقيلي ، ومحمد أقعيم ، وإبراهيم بليلا وغيرهم ، ثم مسعود ذياب ، وعبدالقادر السلطني ، ووفتحي النخاط ، والطاهر خواجه ، وأحمد الضراط(بيوندو) ، وامحمد الشريف وغيرهم ، وعاصرت الجيل الثالث ومنهم على بوعود وأحمد بن صويد وعبدالقادر الخطيطي ، وإبراهيم كلفة ، وعددا كبيرا من هذا الجيل الذين نالوا إعجاب وتقدير جماهير الكرة ، لقد إستمرت هذه العلاقة مع الأهلي خلال هذه المسيرة إلى ان إعتزلت رسميا في نهاية الموسم 1967م أي أن مسيرتي مع الأهلي منذ عام 1947م وحتى 1967 كانت زاخرة بالعطاء وفق إمكانياتي وقدراتي الفنية .

مسيرة موفقة :

خلال أكثر من عشرين عاما لعبيت للأهلي في جميع المسابقات الرسمية التي أقيمت خلال هذه الحقبة الزمنية ، وكان لي الشرف إحراز الأهداف التي أسهمت في تدعيم مركز فريق الأهلي في العديد من المسابقات وكم كانت سعادتي كبيرة وأنا أجني مع زملائي ثمرة هذه الجهود لتزدان أرفف النادي بالكؤوس التي تدل على مكانة الأهلي العالية على صعيد الكرة الليبية ، وعلى الرغم من كثرة الأهداف التي سجلتها مع فريق الاهلي في لقاءآته العديدة مع الفرق المنافسة إلا إن هناك عددا من الاهداف أعتز دائما بتسجيلها بقضل أسلوب التسجيل أو لأهميتها بالنسبة لفريقي ، لقد شاركت الأهلي مسيرته في بطولة بنغازي ثم على مستوى المنطقة الشرقية ثم على مستوى الجماهيرية ، ومن خلال هذه المسابقات أتيحت لي فرصة اللعب أمام فرق من طبرق ودرنة وطرابلس وغيرها ، كما تمكنت أيضا من إيجاد علاقات أخوية بيني وبين لاعبي هذه الفرق الرياضية المختلفة وإستمرت إلى يومنا هذا .

منتخب بنغازي الرحلة الموفقة :

ما إن وفقت في اللعب بصفوف فريق النادي الاهلي حتى تمكنت من الحصول على مكان في صفوف منتخب بنغازي الذي إشتركت معه في العديد من اللقاءآت داخل بنغازي وخارجها ، فلعبت بملاعب طرابلس ودرنة وكان لي شرف إحراز أكثر من هدف في هذه المباريات  ، وأذكر أنني لعبت أمام لاعبين عمالقة في طرابلس يسبقوني شهرة وإمكانات ولكنني إستطعت أن أنال إعجاب جماهير الكرة والصحافيين في طرابلس بعد أن حققنا نتائج إيجابية في معظم اللقاءآت التي لعبناها هناك ، وأذكر من بين المباريات التي مازالت عالقة في ذهني مباراة منتخب بنغازي مع فريق كافنبرج النمساوي التي أقيمت يرم الجمعة 20/1/1956م وأستطعت أن أسجل هدفا في هذه المباراة التي إنتهت بالتعادل 2-2 ، كما أعتز بالهدف الذي سجلته في مرمى منتخب الجزائر العريق في مباراته مع منتخب بنغازي يوم الأحد 28/5/1960م ، والهدف الذي سجلته في مرمى المنتخب البريطاني بقبرص والذي تعادل به منتخب بنغازي مع هذا الفريق القومي يوم الجمعة 27/1/1961م وهناك مباريات أخرى لا يتسع المجال لذكرها .

البداية مع المنتخب :

عندما وقع الإختيار على (المكي) ليكون أحد أعضاء المنتخب الجماهيري لكرة القدم ليشارك في الدورة الرياضية العربية الأولى عام 1953م في مدينة الإسكندرية في مصر ، كان لهذا الإختيار تأثير طيب على نفسي ، وهذا الإختيار كان بمثابة تكريم لي بإعتباري أحد اللاعبين الذين يشهد لهم بالكفاءة على صعيد الكرة الوطنية ، وفي يوم الجمعة 31/7/1953م كان موعدي مع إرتداء غلالة المنتخب الجماهيري ، وكان هذا هو الموعد مع أول مباراة لي مع المنتخب على الرغم من إنها ودية وكانت أمام فريق السلاح البحري بالإسكندرية ويومها سجلت هدفا ليتفوق المنتخب 2-1 ، ثم كان لي شرف المشاركة الثانية مع المنتخب الليبي في الدورة الرياضية العربية الثانية التي أقيمت في بيروت عام 1957م ولعبت أمام تونس والمغرب والعراق خلال الفترة من 19 وإلى 29/10/1957م ، ومما يزيدني فخرا أنني شاركت في (3) دورات رياضية عربية حيث كانت المشاركة الثالثة في الدورة التي أقيمت في عام 1961م في المغرب ، وكانت بدايتي في هذه الدورة بإحراز هدف في مرمى لبنان ويومها تفوقنا 3-2 يوم الأحد 27/8/1961م وتفوقنا على السعودية 3-1 يوم الثلاثاء 28/8/1961م وتعادلنا مع الكويت 2-2 يوم الاحد 3/9/1961م .

لقد كانت مشاركتي مع المنتخب الوطني تعزيزا لجهودي على صعيد الكرة الوطنية بما أسهمت من جهد متواضع مع فريق النادي الاهلي في مسيرته الطويلة الموفقة .

بين الأمس واليوم :

لقد وفقني الله في معاصرة عدد من الأجيال التي لعبت لغلالة الأهلي خلال ربع قرن من الزمان ، وقد كان لكل جيل سمات يعتز بها ، لقد إمتاز فريق الأهلي بوحدة الروح وحرص جميع اللاعبين على التفاني في جعل الأهلي يحتل مكانا مرموقا بفضل النتائج التي يحرزها الفريق في كل مرة حتى إعتادت جماهيره على وجود الفريق دائما في تراتيب متقدمة في كل موسم وهذا مما يزيد دائما من مسئولية لاعبي الفريق وحثهم على المثابرة والعطاء المثمر .

آراء :

من خلال معايشتي للعبة كرة القدم وحيث المباراة تتكون من فريقين وحكم وجمهور فإن على كل لاعب أن يدرك أنه متى بذل الجهد المطلوب إستطاع التغلب على كل الصعوبات وأستطاع أيضا أن يقنع الجميع بأدائه الجيد وبقدرته على الوصول إلى مرمى الخصم ، بفضل إمكاناته الفنية وإستيعابه لطريقة اللعب ، ويجب أن يقتنع اللاعب أن إحراز الأهداف هو نتاج جهد منظم ويجب أن لا يعتمد على أي ظروف أخرى في تحقيق النتائج المطلوبة ، ويجب أيضا أن يحترم اللاعب زميله في الفريق الآخر وأن يحترم أيضا الحكم وقراراته لأن الإعتراض على قرارات الحكم مهما كانت لا تفيد بقدر ما تسىء إلى الجهد المبذول ، فالحكم هو سيد الملعب وصاحب القرار وإحترام قراراته يجعل اللاعب يكتسب إحترام الحكام ويعمل على أيجاد عنصر الثقة المتبادلة بينه وبين الحكام ، أما ما يثار من جدال حول لاعب الأمس واليوم والفرق بينهما فإن هناك مقومات تميز كل فئة عن الأخرى ولا شك أن للظروف الإجتماعية والمادية تأثير في هذه المفاضلة ، وبحكم معاصرتي لهاتين الفئتين فإن لاعب الأمس أحب الكرة ومارسها وإستمر في علاقة بها لوجود علاقة وطيدة بين اللاعب واللعبة في غياب العامل المادي فكان اللعب من أجل اللعب فقط ، ولكن بتطور الحياة ومستواها المعيشي إختلفت طبيعة العلاقة بين اللاعب واللعبة يطغي على هذه العلاقة الجاني المادي وأصبحت هذه العلاقة تعتمد على مدى حجم الإستفادة من الممارسة فأثر ذلك دون شك على مستوى الآدآء ، الأمر الذي جعل الكثير يشيد بمستوى الكرة القديمة ، على الرغم من أن لاعب أليوم مكنته وسائل الإعلام المختلفة من مواكبة تطور مستوى الكرة العالمية وأصبح يعيش الأحداث العالمية لحظة بلحظة عكس ما كان في الزمن القديم .

المراكز التي شغلها :

على الرغم من أن أهم ما يميز ممارسة لعبة كرة القدم في الفترة الزمنية البعيدة هي قدرة اللاعب عل الإستحواذ على الكرة وأخرى التوغل في أرجاء الملعب دون ان يستطيع احد إيقافه وهذا الأمر يجعل اللاعب غير مقيد بمركز معين وعلى الرغم من ذلك فقد فضلت اللعب في مركز الجناح الأيمن وإستمررت طيلة فترة لعبي أشغل هذا المركز كما لعبت في مركز مساعد الجناح الأيمن في العديد من المرات .

مواقف :

مع إحترامي الكامل لأهمية دور المدرب في الإعداد ووضع خطة اللعب ، إلا انه يجب ان توضع حرية تصرف للاعب في الملعب أثناء اللعب موضع الإهتمام ، لأن ذلك يبعث الثقة في نفس اللاعب ليتمكن من إستغلال الفرص وفق تفكيره وقدرته .

وأذكر أنه في مبارة لنا مع فريق النجمة كان الجو ممطرا وبسبب غزارة المياه أصبحت الكرة وهي من النوع القديم مثقلة بالماء ، وبينما كنت واقفا داخل منطقة جزاء النجمة بين مدافعي الفريق الخصم  والكرة خلفي أي خارج منطقة الجزاء وبسبب المياه توقفت الكرة وسط المياه التي غطت أرضية الملعب فما كان من اللاعب المرحوم سعد فرج إلا ان سدد الكرة بمقدمة حذائه لتمر قوية بجانبي مثل الصاروخ متجاوزة حارس المرمى لتدخل المرمى معلنة هدفا بتسديدة قوية جدا .

أهداف اعتز بها :

من الأهداف التي اعتز بها خلال مسيرتي مع الاهلي والتي تؤكد على حرية تصرف اللاعب داخل الملعب أذكر أنه كانت مباراة أخيرة في الدوري مع فريق الهلال وتفوق الأهلي أو التعادل في هذه المباراة يضمن لنا لقب الدوري وحدث في الشوط الثاني من هذه المباراة أن تحصلت على الكرة في جهة الجناح الأيسر وتقدمت بها بعد منتصف الملعب وتحرك زميلي اللاعب بن صويد تجاه مرمى الخصم وفي الوقت الذي كنت أستعد فيه لتمرير الكرة إليه خلف المدافين لينفرد بالمرمى رأيت في اللحظة الاخيرة الحارس المعروف (إبراهيم المصري) يتقدم مرماه لأنه ادرك طبيعة اللعب عندها غيرت رأيي ورفعت الكرة نحو المرمى الخالي وتراجع لإبعادها ولكن دون جدوى ليتفوق الأهلي وليظفر بلقب الدوري بفضل هذا الهدف .

إلى هنا ينتهى حديث الأساتذة عن رحلتهم المميزة مع الكرة ومع الأهلي حتى منتصف السيتينات فقط في رحلة إستلم قيادتها أجيال متتالية سارت بنفس النهج والعزم . وسنحاول إلحاق وسرد سيرة أخرى بدأت من السبيعينات

وأستأذنكم بالقوم بأن نادي الأهلي ليس الفريق الأول لكرة القدم فقط ،  وأعتقد أنه من الإجحاف أن نقول أن أى نتيجة سلبية يحققها فريق كرة القدم تسىء لتاريخ الأهلي ، لأن تاريخ الأهلي كتبه عظام وفلاطحة الرياضة في ليبيا ولا يمكن زحزحته ، وليطمئن كل عشاق الأهلي على هذا الميراث الخالد ، وأعتقد أن الأهلي سائر على نفس النهج الظاهر والواضح على أبنائه من لاعبين ومشرفين ومدربين ومساعدين وجمهور والغائب عن نتائج فريقه الذي يفتقر لكل العوامل الأساسية المكونة لفريق ، هذه الظروف المؤقتة الغير مسئول عنها نادي الأهلي والتى لا تمثل شىء أمام نتائج الفريق خلال 55 عام .

وكما قال الحاج العقيلي تعارفوا تحابوا تصادقوا وكما قال المرحوم المكي لقد إمتاز فريق الأهلي بوحدة الروح وهذا أهم شىء .

تحياتي لكم وبالتوفيق

موقع المشوار الطويل

الصفحة الاولى    الصفحة السابقة    الصفحة الرئيسية